هناك دائما حكاية تبدأ معها الرحلة

هناك دائما حكاية تبدأ معها الرحلة

هناك دائما قصة بدأت القصة..في عامي الأخير في المدرسة، شعرت وسط زخم التحضير لكلمة التخرج برغبة شديدة للتأمل في رحلتي وفي التفاصيل والأوراق والصور والرسائل  التي كنت قد خبأتها خلال أعوام الدراسة في صندوق، فغرقت في صندوق ذكرياتي لأسابيع متواصلة.

أدركت بعد علاقتي الأولى مع صندوق الذكريات، عندما أحاطتني التفاصيل الدافئة من كل صوب، أنّ خطاب التخرّج مهما كان بليغا فهو غير قادر على نقل دفء التفاصيل، بل سيكون الخطاب اغتيالا علنيا لحكايا كنت قد خبأتها بإحكام داخل أعماقي و كنت أشعر برغبة عارمة بأن أحررّها وأحكيها. في تلك اللحظة، تخلّيت عن فكرة المشاركة في كتابة كلمة التخرج وبدأت في كتابة نص مسرحي (مونودراما) عن ذاتي.

يحكي النص عن مجموعة كبيرة من القصص واللحظات التي عشتها، والتي شعرت بأنها أثرت على تكوين شخصيتي بشكل كبير. جسَد العرض كيف تحملنا الرحلة في كل مرحلة، وكيف انتقلنا من مكان إلى آخر أقل أمانا ودفئا، كما برزت في كل مرحلة لحظات وشخصيات كان لها وقعا كبيرا علي. قمت بإعداد النص وإخراجه وطلبت أن أقوم بتمثيله على مسرح المدرسة ضمن البرنامج الأسبوعي الصباحي، وكانت التجربة رائعة جدا، وقد قدمت العرض كإهداء مني إلى كل من  مرَ في هذه الرحلة، ثم تعهدت  بيني وبين نفسي حينها أن أعاود الكرة مرة أخرى  لاتأمل في رحلتي ولربما أخرج نصا مسرحيا يعيدني إلى المسرح مجددا.

بعد تسعة أعوام  في أول فرصة للعمل في تنظيم الحملات المجتمعية ، عملت مع فريق من المدربين على تدريب اهل جبل النظيف لإطلاق حملة  للتشجيع  على القراءة والتي سميت لاحقا حملة 6 دقائق . وكان أول سؤال وجه لي “ما هي قصتك مع القراءة؟ ما الذي جاء بك لتكوني جزءا من فريق العمل والمدربين؟ “.  ابتداءا من تلك اللحظة، بدأت تجربتي في نهج تنظيم المجتمع والتي أكدت لي أن القصة هي عنصر اساسي لتحفيز الأفراد على القيام بعمل جماعي لإحداث التغيير وأن  قصص الأفراد والمجتمعات هي التي تمنحهم القوة والقدرة على التغيير.

علمتني هذه التجربة أن كل فرد لديه قصص لا تحصى بالعدد وهي التي تدفعه للقيام باختيارات عديدة في الحياة في ظل عدم اليقين والغموض. خياراتنا اليوم هي ليست الا استكمال لقصة عشناها من قبل وتجسيد لرؤيا نريدها في المستقبل. من هذه القصص ما يحفزنا على التحدي ويذكرنا بأن العالم يحتاج للتغيير، ومنها قصص تبعث الأمل من نجاحاتنا الصغيرة وتذكرنا بقدرتنا على إحداث هذا التغيير، وبالتالي تدفعنا لاخذ المجازفة.. تجيب القصص عن الاسباب التي تدفعنا للتحرك وبذلك تمكنا من اختبار قيمنا من خلال المشاعر. في تنظيم المجتمع نختبر معا تحول قصص الالم الى امل لخلق القوة.   هذه القصص تحفز المجموعة الواحدة ذات القصة المشتركة  وتشجعهم على الاستفادة من إمكانياتهم وقدراتهم في سبيل تحقيق التغيير .   تصبح هذه القصص الحافز الاساسي الذي يدفع مجتمع مؤمن بقضية للعمل بأقصى طاقاته.

هكذا تبنى حملات التنظيم المجتمعي على القصص، وتستفيد من قدرة القصص والتجارب الشخصية التي عاشها الفرد على إلهامه وتحفيزه، وتبني عليها لخلق المجموعة الواحدة ذات القصة المشتركة التي تجمع أعضاءها وتشجعهم على الاستفادة من إمكانياتهم وقدراتهم في سبيل تحقيق التغيير.  فتصبح القصص قلب الحملة وقوتها الدافعة.

اليوم ومع انخراطنا في نهج تنظيم المجتمع الذي تحتل فيه القصة مكانة جوهرية في العمل، نبدأ عملنا دائما برواية القصص الشخصية التي دفعتنا للتحرك والعمل باتجاه قضية معينة، ومنها نستنبط قيمنا وقصتنا المشتركة التي تدعونا للتصرف في ظل التحديات التي تواجه هذه القيم والتي تدعونا للتصرف. هنا تتكون قصة الان، ويدعونا الحاح اللحظة للتحرك والتصرف. علما ان قصة الحملة ليست ثابتة فهي تتطور وتنمو مع رحلة الحملة وأهلها.

 عندما نستخدم هذا المنهج فاننا  نتحرر من أسلوب التنظير بالكلمات المنمقة  التي قد تستثني الكثيرين من أهل القضية ممن قد لا يجيدون او لا يحبذون فن الكلمات البعيدة عن التجربة الشخصية وبذلك لا يستطيعون الارتباط به  أو الإحساس بالقيمة  المشتركة. 

 أدعوكم لمحاولة رواية قيمنا من خلال قصص شخصية عشناها، فهي تذكرنا وآخرين بإنسانيتنا وان لم تجعلنا قريبين من البريق  الموجود في الخطابات. آمل أن تكون تلك القصص من ذاكرتنا الجماعية خطوة في طريق قصة تغيير حقيقي نبني به مجتمعنا في نهج قيمي بعيد عن الكلمات المنمقة وأكثر ارتباطا بإنسانيتنا وتجاربنا.

بقلم ميس عرقسوسي

 

Most Recent Entries

  • لماذا يعد التدريب مكونا مهما من مكونات التغيير الاجتماعي؟

    لماذا يعد التدريب مكونا مهما من مكونات التغيير الاجتماعي؟

  • هل نهج التنظيم المجتمعي مناسب لحملتكم؟

    هل نهج التنظيم المجتمعي مناسب لحملتكم؟

  • أهمية استخدام القصة العامة في مشوار حملتك وحِراكك؟

    أهمية استخدام القصة العامة في مشوار حملتك وحِراكك؟

  • كيف نحكي قصص ألمنا بأمل ؟ – نساء يتعايشن مع فايروس الإيدز

    كيف نحكي قصص ألمنا بأمل ؟ – نساء يتعايشن مع فايروس الإيدز

2014 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Momizat Team