الممارسة الاولى : خلق قصة مشتركة

لكل منا قصة مؤثرة. بامكان كل شخص منا أن يتعلم كيفية سرد قصة تدفع الآخرين الى التصرف. لدى كل منا قصص تحدي والا فلن نعتقد بأن العالم بحاجة الى التغيير. ولدى كل منا قصص أمل والا فلن نعتقد بأننا قادرين على احداث تغيير في العالم. فتعلم مهارة تطوير القصة لتحفيز التصرف وبالذات التصرف الجماعي على اساس قيمي مهمة. فانت تسرد قصة عن الذات (قصتي أنا) والمجتمع الذي نقوم بتنظيمه (قصتنا نحن) والتصرف المطلوب لخلق التغيير (قصة الآن). قصتي أنا تعبر عن من أنا – قيمي وتجاربي ، خبرتي، ولماذا أفعل ما أفعله. وقصتنا نحن تخبر من نحن- قيمنا المشتركة، وخبرتنا المشتركة، ولماذا نفعل ما نفعله. وقصة الآن تحول الآن إلى لحظة تحدي، أمل، واختيار فهنالك ثمن لعدم التصرف وهنالك ايضا فرصة لاحداثك للتغيير.

فتطوير القصة العامة فن قيادة. والقادة يتعلمون البناء على القصة إلهاما للعمل عبر الثقافات والاديان والمهن والطبقات والحقب. فتتطلب القيادة إشغال القلب (رمز العاطفة) والعقل (رمز التفكير و التحليل و التخطيط ) لاشغال اليدين (رمز الفعل و التصرف )- يديك ويدين الاخرين. والقصة العامة هي فن ترجمة القيم الى (التصرف) من خلال القصص. لأننا نستخدم القصة لإشغال الرأس والقلب فان كلاهما يستطيع التوجيه والإلهام، والقصة لا تعلمنا كيف يجب أن نتصرف فحسب بل تحفزنا على التصرف – وبالتالي إشغال اليدين.

القيم والعواطف والتصرف: لماذا وكيف

ان العواطف هي مفتاح معرفتنا لما نثمنه في أنفسنا وفي الآخرين وفي العالم. ويمكننا من خلال العواطف ـأن نعبر عن ما تحتويه من دافعية. بعض العواطف تكبح التصرف بينما بعضها الآخر يسهل التصرف.القائد يحفز الآخرين في تصرف مقصود من خلال حشد المشاعر التي يمكن أن تسهل التصرف وتحدي المشاعر التي تكبحه. وهنا يمكن أن ينتج تضاربا عاطفيا وتوترا لا يمكن التغلب عليه الا من خلال التصرف.

وكما يوضح الرسم أعلاه  فبينما يعمينا الجمود والركون إلى الروتين المعتاد- وهي دلائل الى الحاجة لاتخاذ إجراء، فان الاستعجال وأحيانا الغضب يسترعي اهتمامنا. وبينما يشل الخوف حركتنا ويدفعنا لتبرير التقاعس فيكون الأمل ملهما لنا. قد نواجه عدم الاكتراث بالغضب – ليس الغضب العارم – بل السخط والاستنكار تجاه انعدام العدالة مثلا، وبوجود شكوك ذاتية وعزلة نصبح ضحايا للقنوط، وبالمقابل فان تقدير الذات (بأنك يمكنك إحداث الفرق) والتضامن (الحب والتقمص العاطفي) يدفعنا للعمل. ولذلك تتطلب ممارسة القيادة الدخول بحوار عاطفي اعتمادا على مجموعة مشاعر الشخص ( أو قيمه) والمتجذرة بمجموعة من الخبرات لكي تجابه مجموعة اخرى من المشاعر (أو القيم) المتجذرة بخبرات مختلفة- أي حوار القلب. وحوار القلب هذا – وهو حوار أبعد عن ما يكون عن كونه غير عقلاني – بامكانه استرجاع  اختيارات قد تم هجرها في مرحلة  اليأس.

قوة القصة

 القصة هي الشكل او الإناء الذي من خلاله نترجم قيمنا إلى تصرف. والقصة تتكون من ثلاث عناصر: الحبكة والشخصية والعبرة  في ظل حيثيات محددة- اين متى وما هي الظروف؟

١. الحبكة

ان التعامل مع ما هو غير متوقع – صغيرا أم كبيرا- يحدد نسيج حياتنا: لا توجد تذاكر اخرى في مسرح السينما.،  أنت على وشك أن تفقد وظيفتك،  زواجنا على حافة الانهيار. إننا نواجه باستمرار  بما هو غير متوقع، وبسؤال ماذا سنقوم بفعله، وما هو مصدر الشك الأكبر حولنا؟ الناس الآخرين.؟؟ يدور موضوع معظم القصص حول التفاعل مع الأشخاص الآخرين>
ونحن كبشر نقوم بعمل اختيارات في الوقت الآني تكون مبنية على تذكر الماضي وتخيل المستقبل. وهذا ما يعنيه أن تكون وكيلا( اي مكلف بالتصرف بدافع ذاتي). ولكن عندما نتصرف بناء على  عاداتنا، فإننا لا نختار بل نتبع الروتين. وعند كسر الروتين وعندما تكون الإرشادات غير واضحة وعندما لا يمكن لأحد أن يخبرنا ماذا نفعل، عندها فقط نقوم باختيارات حقيقية ونكون فعلا صانعين لحياتنا ومجتمعاتنا ومستقبلنا. وعندها نصبح وكلاء عن مصائرنا. وهذه اللحظات تكون مخيفة لكونها مثيرة.
والحبكة تتكون من ثلاثة عناصر: التحدي والاختيار والنتيجة، واستحضار الحبكة هو تعلم كيف سنتعامل مع ما هو غير متوقع.
تبدأ الحبكة بتحدي غير متوقع تواجه الشخصية ويستدعي الانتباه بشكل ملح والقيام باختيار – وهو اختيار لا تكون الشخصية مهيأة له. هذا الاختيار يؤدي الى نتيجة وهذه النتيجة تعلم عبرة.

٢. الشخصية

ورغم أن القصة تتطلب حبكة، فهي لا تصلح الا عندما نشعر بتماثل وتطابق مع الشخصية. ومن خلال اندماجنا العاطفي مع البطل فإننا نعيش تجربة المحتوى العاطفي للقصة، وبهذا نتعلم ما ينبغي للقصة تعليمه لقلوبنا وليس فقط لعقولنا. وفي أحيان اخرى نندمج مع الأبطال الذين يشبهوننا كثيرا- كما هي القصص المتعلقة بالأصدقاء والأقارب والجيران. أحيانا يكون أبطال القصة هم نحن، كما يحدث عندما نجد أنفسنا في وسط قصة تتكشف ونحن نقوم بتأليف النتيجة.

٣. العبرة

القصة عبارة عن تعلم. وكلنا قد سمعنا النهاية “وهذا هو مغزى القصة” . ومغزى القصة الناجحة هو فهم الخبرة العاطفية وليس فقط استيعاب المفاهيم وهي درس موجه للقلب وليس فقط للدماغ. عندما تصاغ القصة كمفاهيم فقط فان الأخلاق هنا تصبح مبتذلة أو تافهة. وتعلمنا القصص كيف نتصرف بالطريقة “الصحيحة”، فهي ليست مجرد أمثله وتوضيحات. وعندما تكون مروية بطريقة جيدة فإننا نعيش ونستشعر المغزى أو هدف القصة ونشعر بالأمل. وهذه التجربة وليست الكلمات بحد ذاتها هي التي تحركنا للتصرف. لأنه أحيانا يكون هذا هو المغزى –مغزى القصة: علينا أن نتصرف.

٤. الحيثياث ( السياق)

القصص تروى، وهي  ليست خطا فارغا منفصلا من الكلمات والصور والعبارات. وهي ليست رسائل ومقاطع صوتية أو سلع- برغم أن هذه الأجزاء البلاغية قد تعطي تميزا للقصة. سرد القصة هو بشكل أساسي ترابطي. حين نستمع للقصة نقوم بتقييمها  ونجد سهولة الدخول إليها اعتمادا على الراوي فان كانت قصته/قصتها  فنسمعها بطريقة ما. وان كانت قصة صديق أو زميل أو فرد من أفراد العائلة فاننا نسمعها بطريقة اخرى. وان كانت قصة بدون زمان ومكان وبدون حيثيات فنبتعد عنها. ورواية القصة هي كيف نتفاعل مع بعضنا البعض حول القيم وكيف نتشارك بالخبرات مع بعضنا ونستشير بعضنا البعض ونواسي بعضنا بعضا ونلهم بعضنا البعض لنقوم بالتصرف. فربما نقترب من بعضنا البعض أكثر بفعل القصة.

القصة العامة في تنظيم المجتمع للحملات والحركات

القصة العامة: أنا ونحن والآن

يواجه القادة (خاصة قادة العمل العام) التحدي الذي يكمن في تمكين الآخرين من الوصول الى القيم التي تحركهم للقيادة. فالقيادة وخاصة القيادة المتعلقة بالتغيير الاجتماعي تتطلب إعادة إخبار قصة عامة جديدة أو تعديل قصة قديمة وفيها ثلاث عناصر: قصتي أنا، قصتنا نحن، قصة الآن
قصتي أنا توصل القيم التي تنتدبك وتدعوك للتصرف. وقصتنا نحن توصل القيم المشتركة بين أولئك الذين تأمل بأن تدفعهم للتصرف. وقصة الآن توصل التحدي الملح لتلك القيم والذي يتطلب تصرفاا الآن. تشمل المشاركة في العمل الاجتماعي غالبا   إعادة إبراز قصتي أنا وقصتنا نحن، وليس ذلك فحسب، بل تعتبر لحظة دخول إلى عالم الغموض، وهذا الغموض مخيف لدرجة تجعل الوصول إلى مصادر الأمل أمرا ضروري وأساسي.

قصتي أنا

إخبار قصة الشخص الذاتية هي طريقة لتوصيل القيم التي يمثلكها  هذا الشخص – وليس كمبدأ مجرد بل كخبرة مُعاشة. ونحن نبني قصصا عن أنفسنا حول نقاط الاختيار- اللحظات التي نواجه فيها التحدي، ونختار ونُجرب ونستخلص العبر.
قد يعتقد البعض منا أن قصصنا الشخصية غير مهمة، وأن الآخرين لا يهتمون، أو أننا لا يجب أن نتكلم عن أنفسنا كثيرا. بل العكس صحيح، فإذا قمنا بعمل عام تقع علينا  مسوؤلية إعطاء وصف كامل عن أنفسنا- من أين أتينا، لماذا نفعل ما نفعله، وأين نعتقد بأننا ذاهبون. وفي دور القيادة في العمل العام، فان إخبار قصتنا الذاتية ليس موضع خيار، حيث اننا ان لم  نأخذ دور المؤلف لقصتنا، فان الآخرون سيفعلون ذلك ويؤلفون قصتنا- وربما يخبرون قصتنا بطرق قد لا نحبها، ليس  لأنهم سيئين ولكن لأن الآخرين يحاولون استخلاص من نكون بناء على خبرتهم ومعرفتهم لأشخاص هم باعتقادهم مثلنا أو ييشبهوننا.

قصتنا نحن

قصصنا عن الذات تتداخل بقصصنا عنا نحن. ونحن نشارك بالكثير من قصص النحن: كعائلة ومجموعة ودين ومنظمة ومهنة وأمة وحركة. قصة نحن تعبر عن القيم والخبرات التي تتشارك بها النحن التي نأمل باستحضارها. قصة ” نحن” لا تبرز قيم مجموعتنا فحسب، بل تميز مجموعتنا عن الآخرين أيضا، وبالتالي تقلل من الغموض حول ما يتوقع من أولئك الذين نتفاعل معهم. يصف علماء الاجتماع عادة ” قصة نحن” كهوية جماعية.
إن ثقافاتنا هي مستودعات قصص. قصص عن التحديات التي واجهناها وكيف تصدينا لها وكيف نجونا منها، هي حياكة في نسيج ثقافتنا السياسية وديننا وتقاليدنا، الخ. ونخبر هذه القصص مرارا وتكراراعلى شكل حكايات شعبية وأغاني وممارسات دينية واحتفالات. وكشأن القصص الفردية فان قصص نحن يمكن أن تقدم إلهاما وتعليما وأملا ونصحا وتحذيرا، الخ. كما أننا نحيك القصص الجديدة من القديمة. فقصص الهجرة الجماعية مثلا كانت تخدم المتشددين عندما قاموا باستعمار أمريكا الشمالية، ولكنها أيضا خدمت السود في الجنوب في المطالبة بحقوقهم المدنية في حركة الحرية.
وحتى يتحول تجمع من الناس الى “نحن” فيتحتم وجود مخبر قصة ومفسر للخبرة المشتركة. في مكان العمل مثلا، فان الأشخاص الذين يعملون جنبا الى جنب ولكن تفاعلهم قليل ولا يلتقون بعد العمل ولا يأكلون معا لن يطوروا أبدا قصة “نحن”. في أي حركة اجتماعية يكون تفسير وعرض الخبرات الجديدة للحركة هو احد وظائف القيادة الحيوية للحركة ليبقى مجتمع الحركة متماسك ومتلاقي على القيم في ظل التحديات والتجارب التي تمر فيها المجموعة. ومثل قصتي أنا، فقصة نحن تبنى من نقاط الاختيار لما نرويه و ما نحتفل به و ما نختبره  في حياة “المجتمع” أو “المجموعة” أي “النحن”  الاختيار في التأسيس وفي الأزمات والتحديات  والمخرجات والدروس المستفادة. هذه النقاط واللحظات هي تلك التي تعبر عن القيم التي تتشارك فيها “النحن”.

قصة الآن

قصة الآن تعبر عن تحدي ملح – أو تهديد – للقيم التي نتشارك فيها ويتطلب تصرفاا الآن. ما هي الاختيارات التي يجب أن نتخذها؟ ما هو الشيء المعرض للخطر؟ وأين يكمن الأمل؟
في قصة الآن، تتشكل النتائج من نحن الأبطال واختياراتنا . ونحن نبني ونعتمد على “مصدرنا الأخلاقي” لنجد الشجاعة والأمل وربما العاطفة لنستجيب. ومن أقوى التعبيرات عن قصة الآن كانت خطاب مارتن لوثر كينج في واشنطن دي سي بشهر آب ١٩٦٣ وهو الخطاب الذي عرف بخطاب “لدي حلم”. وغالبا ما ينسى الناس أن ما سبق الحلم كان كابوسا: فشل أمريكا البيضاء بالوفاء بوعودها نحو الأمريكان من أصل افريقي. يقول كينج أن اللحظة تمتلكنا بفعل “شراسة الالحاح الآن” ولأن هذا العبء لم يحتمل مزيدا من التأجيل. ولو لم نتصرف لتزايد الكابوس سوءا – لنا جميعا – ولن يكون مصيره أن يتحول الى حلم أبدا
في قصة الآن تتداخل القصة مع الإستراتيجية لأن العنصر الأساسي في الأمل هو الإستراتيجية- وهي رؤية موثوقة لكيفية الانتقال من هنا إلى هناك. و” الاختيار” المتاح هو ليس: ” يجب علينا جميعا أن نختار أن نكون اناسا أفضل” أو ” يجب علينا جميعا أن نختار أي واحد من هذه الأشياء ال53 في القائمة” (فكلاهما يجعل الاختيار تافها). الاختيار الحقيقي يكون مثلا”يجب علينا جميعا أن نختار- هل سنلتزم بمقاطعة الحافلات حتى يتوقف الفصل العنصري فيها أم لا؟” فالأمل محدد وليس مجرد. ما هي الرؤية؟ إن رؤية الأمل  يمكنها أن تجعل عدد معين من الناس يحضرون اجتماع أنت ملتزم بعقده. فيمكن كسب انتصار “صغير” بإظهار أن التغيير ممكن. والانتصار الصغير يمكن أن يصبح مصدر أمل إذا تم تفسيره كجزء من رؤية أكبر.  والأمل لا يوجد في  تزوير  الحقائق ولكنه  في المعنى الذي نعطيه للحقائق.

اخيراً … ان  العلاقة بين الفرد و  المجموعة  والقدرة على التصرف و العمل المشترك  في صلب تقاليدنا الأخلاقية التي تعمل من خلال اشغال القلب و العقل و اليدين . فلا تنسى القلب وتركز فقط على العقل واليدين.

 

 

2014 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Momizat Team