كيف تُصبح قضيّة ما، قضيّة رأي عام؟ مثال: غاز العدو إحتلال

تأمل بقلم نسرين الحاج احمد*


20151019_133926

في أيلول ٢٠١٤ حين برز موضوع شراء الغاز من الكيان الصهيوني وربما لشهر او شهرين لم ياخذ الموضوع حيز الرأي العام (أي لم يكن هنالك رأي شعبي واضح اتجاه القضية) علماً انه يخص كل اردني يدفع فواتير الكهرباء لأن هذه الفواتير سوف تجد طريقها ثمناً للغاز الطبيعي وتنتهي في خزينة الكيان. وفي الأشهر اللاحقة تحول الموضوع من أمر غير معروف وغير منتشر بين الناس الى قضية  رأي عام – يعلم به اغلب الناس بالشارع ولهم رأي إتجاهه. ولم يأتي هذا التحول بشكل تلقائي بل أتى نتيجة جهود وعمل منظم من  جهات مختلفة. علماً ان في أوائل ٢٠١٤ قامت  شركة البوتاس والبرومين بتوقيع عقداً نهائياً ب٥٠٠ مليون دولار ولمدة ١٥ عام لشراء الغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني دون ان يعلم أغلب الناس بالأمر مع ان الصحافة غطتها.

أسلط الضوء في هذا المقال على بعض ما  قامت به حركة الأردن تُقاطع واللجنة التنسيقية والحملة الوطنية لمناهضة اتفاقية شراء الغاز المسروق من الكيان الصهيوني والتي جعلت من القضية  محط نقاش وقضية رأي عام. هدفي أن أتأمل في التجربة واستخلص العبر والدروس المستفادة وذلك خدمةً لحملات أخرى بحاجة أيضاً ان تجعل من  قضيتها قضية رأي عام لتعزيز التفاعل والأثر.

كان هنالك اكثر من عامل ساهم في جعل قضية شراء الغاز من الكيان الصهيوني قضية رأي عام عند الشعب الأردني. بعض العوامل كانت نتيجة العمل المنظم من قبل الجهات  الفاعلة في مناهضة الصفقة والبعض الآخر  جاء نتيجة تصرفات الجهات الرسمية المعنية باتمام الصفقة. وتحديداً التمويه والمغالطات من قبل الحكومة بما يتعلق بالصفقة وتعدي الكيان الصهيوني على الأقصى وغطرسة التصريحات الامريكية بخصوص فائدة اتمام الشراء على “أمن” المنطقة.

 

 

  • القضية قضية شخصية : 

أولاً، لتصبح قضية ما قضية رأي عام يجب ان تكون مرتبطة بشكل شخصي بنا أو يجب أن نعرضها موضحين الارتباط الشخصي. فنبحث عن مربط الفرس. كيف تكون صفقة شراء الغاز من الكيان الصهيوني مسألة تمس كل شخص؟

Screen-Shot-2014-09-29-at-11.34.39-PM

هذه بعض المداخل:

* لأن ربط الأردن بالكيان الصهيوني في مجال الطاقة يشكل تهديداً على أمن الأردن بالوقت الذي يزداد فيه التطرف والارهاب في منطقتنا.

* لأن كل اردني يدفع فاتورة كهرباء سوف تحوّل أمواله للكيان الصهيوني وسوف يجبر على تمويل الجيش الصهيوني والإستيطان والاحتلال.

*هذه أكبر صفقة إقتصادية تطبيعية مع العدو منذ توقيع إتفاقية وادي عربة في الوقت الذي لم تجف فيه دماء أطفال غزة ولم تهدأ النفوس بعد.

*الغاز “الإسرائيلي” غاز مسروق مستخرج من شواطئ فلسطين المسروقة أصلا وأن المواطن الأردني لا يمكن أن يقبله.

* التأكيد بأن صفقة الغاز ستصب في مصلحة العدو وخدمة مصالحه التوسعية والإقليمية والإقتصادية. 

فتوضيح كيفية مساس القضية بكل مواطن وليس فقط بفئة محدودة من المجتمع هو الذي سيجعلها قضية  رأي عام أو يجدر بها أن تكون قضية رأي عام. ولذلك كان خروج مجموعة شباب بعبارة “غاز العدو احتلال” في غاية الأهمية لأنها لخصت الموضوع للشعب الأردني بشكل مبدع. وكذلك كان الأمر بالنسبة لعبارة “٣٠٪ من قيمة فاتورة كهربائك ستذهب لدعم اسرائيل إن تمت صفقة الغاز” وعبارة “إدعم نتنياهو.

 

ومن الجدير بالذكر أن الأمر الذي ساهم في  جعل القضية  قضية شخصية  بالاضافة لما ذكر  أعلاه هو أن اللجنة التنسيقية في البدايات بادرت في العمل على دراسة مهنية مع معهد بلاتفورم لدراسات الطاقة في لندن، والتي وضحت المبالغ التي ستدخل خزينة الكيان الصهيوني من قيمة الصفقة ان تمت. 

 العريضة الشعبية:

Gas-Petition-Final-1-724x1024أعلنت الأردن تقاطع عن موقفها المناهض للصفقة بعد يومين من خبر توقيع رسالة النوايا بين شركة الكهرباء الوطنية والشركات الإسرائيلية الأمريكية، وبعد ذلك بأسبوع أطلقت عريضة شعبية رافضة لإتمام الصفقة في الوقت الذي كان الموضوع يتداول في أطر ضيقة وتغطية اعلامية قليلة. ورغم شك العديد بأن تكون العريضة أداة ضغط فعلية على الحكومة المالكة لشركة الكهرباء، دون ان تحظى على توقيع الملايين، أصبحت العريضة اسلوباً لفتح الحوار مع مجموعات ومؤسسات مجتمعية، و أناس في الشارع و ضمن فعاليات ثقافية وسياسية ذات علاقة. ولم يكن الامر سهلاً وكان هنالك تخوف عند الناس بوضع إسمهم على العريضة خصوصا وأن القضية لم تكن معروفة بعد ولأن الناس بشكل عام تشعر بالإحباط السياسي. ولم يكن سهلاً لأنه وفي أكثر من حالة استجوبت الأجهزة الأمنية بعض الأشخاص الذين كانوا يجمعون التواقيع في مواقع مختلفة.

 ولم تكن العريضة مروسة او مجيرة لجهة معينة بل كانت موجهة الى رئيس الوزراء من المواطن الأردني وبالتالي الشعور بالملكية الجماعية العريضة ومع الأيام تشاركت شخصيات ومجموعات مختلفة مع الأردن تقاطع في جمع التواقيع. وتم كذلك نشر العريضة للتوقيع الالكتروني والاعلام الاجتماعي الذي  ساهم في إيصال القضية الى أردنيين في الخارج.

واكتفت الاردن تقاطع بجمع 8 الاف و400 توقيع كرقم رمزي (ممثل ل 8.4 مليار الذي سيذهب لخزينة الكيان جراء هذه الصفقة)، وتم تسليمها الى رئيس الوزراء عبر مجلس النواب. بالمحصلة كانت العريضة وسيلة للتثقيف وبث المعلومات وحث الناس على أخذ موقف، تحديداً حين كان جمع التواقيع ميداني وفي مدن أردنية مختلفة.

  • الشخصيات المؤثرة بالرأي العام :

تزامنا مع جمع التواقيع على العريضة قامت الأردن تُقاطع بتصوير مجموعة من قادة الرأي العام يعبرون عن موقفهم الرافض للصفقة وأسباب الرفض. وقامت ببث ذلك على موقع الاردن تقاطع في حينه وعلى مواقع اصحاب الرأي انفسهم.  

لم يكن من الصعوبة الوصول للشخصيات وتصويرها، ولكن الصعوبة كانت في الاتفاق على مجموعة من الأشخاص يحملون تنوعا في الفكر والطرح. تم تصوير 10 فيديوهات حصدت 8200 مشاهدة. والملفت انه أكثر شخصية تم مشاهدتها هو أحمد حسن الزعبي (4982) مع العلم أن الناس تنظر اليه أكثر كشخصية إعلامية منها سياسية ولكن جمهوره واسع ويضم عدد كبير من الشباب ومن خارج عمان.

وكان لهذه الفيديوهات أهميتين: الأولى كانت في تنظيم الصوت المعارض وجمعه في مكان واحد كدليل داحض للإدعاء القائل أن معارضي الصفقة أقلية او ينتمون لجهة  واحدة. والأهمية الثانية كانت بالوصول الى جمهور أوسع من خلال الشخصيات ومتابعينهم على صفحاتهم الإجتماعية وبالتالي توسيع شبكة الإهتمام.Capture

 

  • الشارع :

بالاضافة لجمع التواقيع بالميدان كان هنالك بعض التحركات الميدانية الخلاقة التي جلبت الاهتمام. فمن أول التحركات على الأرض كان دخول مجموعة من الشباب والشابات على مبنى شركة الكهرباء الوطنية،وبقائهم في قاعة الاستقباقيل-في-صفقة-الغازل الى حين ملاقاة رئيس الشركة ومواجهته بسؤال عن الصفقة المرتقبة والإحتجاج على توقيعها.في حينها نفى أن الغاز سيأتي من إسرائيل بل وأصر ان شركة الكهرباء ستتعاقد مع شركة أمريكية. وتم تغطية تحرك الشباب على مواقع الإعلام الاجتماعي مستخدمين إجابته لإستفزاز الرأي العام، ولم يحظى هذا التحرك على تغطية الاعلام التقليدي بشكل ملحوظ.تلى ذلك التحرك نزول مجموعة من الحراك الشبابي الأردني إلى الشارع لتوزيع المنشورات والمرئيات  تحت شعار عار – في حين كانت النقطة على العين والراء على شكل نجمة إسرائيل. وتلا ذلك إرتداء بعض الشباب والصبايا للشعار ذاته ولشعار “غاز العدو احتلال ” في ماراثون عمان، مما  أثار أيضا بعض الاستفزاز على الإعلام الاجتماعي، ومجدداً القليل من الإعلام التقليدي. وبعدها بشهر تتالت الوقفات في الشارع بدعوة من الأردن تُقاطع واللجنة التنسيقية، أولها كان أمام شركة الكهرباء الوطنية ومن ثم مجمع النقابات ومجلس النواب ورئاسة الوزراء.

 

 

 

  • سلسلة ندوات : 

 خلال شهر ايلول وتشرين الأول والثاني، نظمت العديد من الجهات ندوات للوصول لجمهورها. وربما تم تنظيم أكثر من 15 واحدة بعضها في العاصمة والبعض الآخر خارجها. وتم الغاء بعضها في آخر لحظة سواء لتردد المضيف كون الموضوع سياسي مناهض لتوجه الحكومة او لاتصال الأمن معهم للاستفسار عن الفعالية. وعلى الأغلب كان الجمهور المستجيب للندوة وعنوانها أصلاً جمهور مقاطع وماخذ موقف من الصفقة. الندوات ساعدت الحاضرين بتطوير قدرتهم على اقناع الآخرين من حولهم بعد ان أدركوا تفاصيل الصفقة وتداعياتها وبعد ان تعلموا عن البدائل الموجودة. كما ساهمت هذه الندوات بإيجاد متحدثين زادوا دراية بالقضية مع كل لقاء.

  • مجلس النواب :

تَحرك مجلس النواب بشكل منظم واثارة الموضوع في جلسة نقاش عامة إستمرت يومين بحضور رئيس الوزراء أتت كمحطة بعد التحرك بالعريضة والشارع وفيديوهات الشخصيات المؤثرة واستكمال الدراسات لتقلب الامور وتصبح قضية الغاز قضية رأي عام. 

10553431_1589633364598531_3795722259561378456_n

كيف حصل ذلك؟

في شهر أيلول وقع بعض من النواب (ربما ٣٠ نائب) على مذكرة تطلب طرح الموضوع. ولكن لم يحدث شيء. وفي أوائل تشرين الأول أطلقت الأردن تُقاطع حملة اتصال شعبية على النواب لحثهم على التصرف وان كانت شركة الكهرباء الوطنية ومالكتها الحكومة غير ملزمة بشكل صريح بأخذ موافقة مجلس النواب على الصفقة.  فنظمت الأردن تُقاطع ورشة اتصال شعبية التقى بها الناشطون لمدة ساعات على مدار أيام متتالية ولأسبوع.

ودعوا الناس من خلال صفحات الاعلام الاجتماعي للانضمام بالاتصال على النواب،  فنشروا ارقام النواب موفرين نصاً مقترحاً ومعلومات للحوار مع النائب لكي يأخذ موقفاً علنياً واضحاً ضد اتمام الاتفاقية. وساهمت دعوة التحرك هذه في نشر القضية وكانت بمثابة  تكتيك سهل يمكن ان يقوم به اي شخص من مكانه دون مجازفة او استثمار كبير. وكانت الأردن تقاطع تعلن بنهاية كل يوم أسماء النواب الذين التزموا حتى نهاية حملة الاتصالات حين حصلت على أغلبية النواب ونشرت أسماء ٧٦ نائب رافضين.

وبعدها تواصلت الأردن تُقاطع مع النائب نجاح العزة لتقود مذكرة نيابية تطالب بعقد جلسة نقاش عامة بوجود رئيس الوزراء حول شراء شركة الكهرباء للغاز من اسرائيل. وبالفعل حصلت المذكرة النيابية على ٧٦ توقيع واصبحت بمثابة تصويت نيابي  معترض على الاتفاق. وتحددت جلسة النقاش العام لتاريخ 2014/12/14 وحينها اصبح الاعلام التقليدي اكثر اهتماماً واتاحت الجلسات حدثاً مهماً لا يمكن للاعلام الّا أن يغطيه. وحينها قام النشطاء بدعوة  وحشد الناس لحضور الجلسة النيابية مقتنعين أن جمهور من الناس في الشرفات سيساهم في رفع اداء النواب واخذ اغلبهم الدور للحديث. وبالفعل بدأت الجلسة بوجود رئيس الوزراء واستمرت لمدة يومين على التوالي تحدث بها اكثر من مئة نائب كلهم باستثناء عشرة نواب ضد توقيع الاتفاقية.

وفي نهاية الأمر خرج مجلس النواب بتوصية بالأغلبية بعدم اتمام الشراء. وان كان هنالك جدل على الزامية قرارهم أو مدى تأثيرهم بالواقع السياسي الأردني الّا أن لها ثقل سياسي بصفتهم ممثلين للشعب اللأردني. وليس هذا فقط، فإن محفلهم مهم ومسرح لتحركات تثير تفاعل الشارع تحديداً حين تكون هذه التحركات خلاقة او مرئياً ملفتة للنظر. وهذا ما كان حين دخلت النائب هند الفايز بيافطة غاز العدو احتلال او تقديم النائب نجاح العزة صندوقاً لرئيس الوزراء فيه ٨٤٠٠ توقيع على العريضة الرافضة أو تشجيع النائب رولا الحروب للنواب لوضع ملصقاً أحمر عليه “غاز العدو .احتلال” على ملابسهم  مما أنتج صوراً ومرئيات تنطق أكثر من الكلمات.

 

10850168_1603989713162896_6819009877252026873_n

  • القوى الوطنية وقاعداتها الشعبية:

نظرياً المفروض ان يكون تحريك وتنظيم الأحزاب والنقابات من أكثر الأمور التي تخلق رأي عام وتجعل قضية ما قضية شعبية، الّا انه بالواقع هذا لم يحدث في بداية الأمر فلم تتفاعل او تفعل تلك الجهات أنفسها بشكل حقيقي فاعل في الحصول على تواقيع على العريضة او الخروج باعتصامات او المشاركة بالضغط على النواب. 12096520_1193856010642263_5080212262742134889_nوهنالك اسباباً مختلفة لذلك، تختلف باختلاف الأحزاب و النقابات، فبعضها لم تفعل قاعدتها ربما لأنها غير مرتبطة بقاعدتها أو ادوات تواصلها مع قاعدتها غير مطورة، أو ربما لم يكن لديها نية حقيقية بالتحرك بالرغم من إبداء الاستعداد، أو لأنها غير معنية بالتحرك أصلاً بشأن سياسي مثل قضية الغاز، أو ربما غير مقتنعة بحراك اللجنة التنسيقية أو الأردن تُقاطع  لحداثة نشأتهما.

ولكن التغيير الجدي حصل بعد الوصول لتوصية النواب بالأغلبية، حيث باشرت بعض الاحزاب في تنظيم مسيرات أو اعتصامات بقيادتها، وحيث أصدرت نقابتي المحامين والمهندسين بياناً لأعضائهما بمنع التعامل مع الشركات الصهيونية والأمريكية المرتبطة بملف الغاز المسروق. وبعد ذلك، وفي  الأول من كانون ثاني 2015 نظمت اللجنة التنسيقية بالتعاون مع النواب ورئيس النقابات في حينه د. ابراهيم الطراونة لقاءً يهدف لتنسيق الجهود و الخروج بتحرك موحد بشراكة الجميع لمناهضة شراء الغاز، ودعت له كل الاحزاب والنقابات ومجموعة نواب، وتم الاتفاق على تحرك موحد وهو مسيرة رفض شعبية. وكان هذا المنتدى الوطني الذي أنشأ “الحملة الوطنية لمناهضة الغاز” والتي انضمت لها الأردن تقاطع وغيرها من أعضاء اللجنة التنسيقية وسنقها الدكتور هشام البستاني ونجحت بترتيب سلسلة فعاليات لإثارة الرأي العام بما في ذلك مسيرة الرفض الوطنية بتاريخ 2015/3/6 ولاحقاً المحاكمة الشعبية بتاريخ 2015/9/5.

  • الاعلام الاجتماعي :

أتت أهمية الاعلام الاجتماعي سواء فيسبوك أو تويتر أو الصفحات الإلكترونية، لأن الإعلام التقليدي (مرئياً أو مسموعاً) لم يغطي قضية الغاز بشكل كافي أو فاعل. فاستُخدم الإعلام الإجتماعي لدعوة الناس للتحرك وجمع التواقيع الإلكترونية على العريضة، ولتغطية الفعاليات وللإعلان عن مواقف جهات أو شخصيات مناهضة للصفقة، وتنظيمها بشكل يوحي بوحدتهم وثقلهم. واستخدم كذلك لنشر دراسات عن القضية سواء دراسة مفصلة بالقيمة النقدية التي ستذهب لخزينة الإحتلال في حال تمت الصفقة والتي قدرت ان الصفقة ان تمت سوف تموّل حربين على غزة. و الدراسة الثانية كانت عن البدائل المتاحة للغاز رداً على الحجة الاساسية التي استخدمتها الحكومة  لحتمية شراء الغاز من إسرائىل. وتكمن أهمية الاعلام الاجتماعي بالوصول لجمهور جديد غير جمهور الأردن تقاطع أو الحملة الوطنية بل بالوصول عبر صفحات الشخصيات المؤثرة او الصحافة الالكترونية لاخرين.  ومن خلال التجربة والإحصاءيات تبيّن ان الإنتشار عبر الإعلام الإجتماعي يكمن في (النهفات ) والمرئيات المستفزة، والتي تجد رواجاً ومشاركة أكبر من أي شيء آخر باستثناء أخبار النجاح.  فالأغلب يحب مشاركة الأخبار التي تطلق الضحك أو تبعث الأمل.

1

  • الاعلام :  

لم تقم أغلب منابر الإعلام التقليدي بتغطية قضية شراء الغاز من الكيان الصهيوني، أو تغطية فعاليات الحراكات وإن كانت صغيرة في البداية وذلك لأسباب كان البعض يحللها بولاء المنابر للحكومة وعدم رغبتهم في اثارة الرأي العام ضدها. والبعض الآخر عزى ذلك لأسلوب عمل المنابر الإعلامية التقليدية والتي لا تبحث عن المعلومة بل تغطيها ان كانت كبيرة ومكشوفة. و إن كان هنالك استثناءات مثل: جريدة الغد وقناة رؤيا – اللتان سعتا لتغطية إتفاق شراء الغاز وأخذ دور الصحافة الباحثة عن المعلومات غير منتظرة استلام الاخبار. فلقد قامت مثلاً جريدة الغد وفي البدايات 2015/10/17 بتنظيم ندوة مع ممثلين لوزارة الطاقة كمحاولة لمعرفة الحقائق منذ البدايات، من ثم طرحت القضية بلقاء دائري يضم خبراء لديهم وجهات نظر مختلفة  تم لاحقاً تغطيته بالتفصيل.  وقامت الغد كذلك بتغطية كل التحركات التي قام بها النشطاء ضد الصفقة كما غطوا جلسة النقاش العام بمجلس النواب بالتفصيل، وكما كانوا يترجمون ويتابعون مجريات التنازع حول الإمتياز لحقل الغاز في داخل الكيان الصهيوني.Capture1

 وكذلك الأمر بالنسبة لتلفزيون رؤيا والذي خصص حلقة من  نبض البلد حول القضية بداية، ومن ثم إستضافة خالد رمضان الذي اثار الامر بشدة خلال الإعتداء على الاقصى، ومن ثم تخصيص حلقة كاملة لقضية الغاز والتي استضافوا فيها جمال قموه رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان وعبدالله الشامي قبيل جلسة النقاش العام في مجلس النواب. وبعد جلسة البرلمان، إستضافت المحطة نواباً وخصصت المزيد من المساحة للقضية. وكذلك كان راديو البلد وراديو حياة مختلفين عن باقي الإذاعات بحجم إهتمامهم بالقضية وتغطيتها، وكذلك لحرصهم على البحث عن المعلومة وفهم الملف.

 

 

 

 

وأخيراً وليس آخراً، العوامل التي ساهمت في جعل قضية شراء الغاز قضية رأي عام لم تقتصر على ما فعلته الاردن تقاطع واللجنة التنسيقية والحملة الوطنية بل ساهمت أفعال وأقوال الحكومة الصهيونية و الحكومة الأمريكية بجعلها قضية رأي عام أيضاً. فتحركاتهم وأقوالهم استفزت الناس واعطت زخماً استغلته الحراكات القائمة داعية المزيد من الرأي العام. وأمثلة على ذلك: تعدي الكيان الصهيوني على الأقصى خلال انطلاقة الجهد لمناهضة الصفقة وقتل زياد ابو العين المناضل الفلسطيني وهو يزرع الزيتون وأقوال عوديد عيران حول امتداد سيطرة الكيان على المنطقة من خلال الطاقة. وبنفس الطريقة كانت  تصريحات الحكومة الأمريكية  المستفزة من أن الصفقة تخدم “الأمن في المنطقة”، أو أن الشراء سوف يتم عاجلاً ام آجلاً. فما كان على الحراكات الّا  أن يروا في هذه الأفعال والأقوال فرصة للكشف عن حقيقة الامور واستفزاز للرأي العام بدلاً من أن يروا فيها فشلاً محتماً لجهودهم.

 

وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة الاردنية التي ساهمت اقوالها وافعالها بجعل القضية قضية رأي عام. فتضليلها للرأي العام وكشف الناشطين لذلك، جعل من القضية قضية تستدعي الإهتمام والترقب. ففي البداية صرحت الحكومة  عبر شركة الكهرباء أن الغاز ليس من “إسرائىل” بل من شركة أمريكية وكَشف هذا التضليل  جلب المزيد من الإهتمام من الناس، وكذلك الأمر بالنسبة لعدم مصارحة الحكومة للناس حول الخيارات الاخرى الموجودة للطاقة من مشاريع طاقة شمسية، والصخر الحجري، وميناء العقبة الذي طالما تحدثت عنها دون أن يتمخض عن الحديث نتيجة فعلية. ولاحقاً ساهمت الحكومة بجعل القضية قضية رأي عام بتجاهلها الصريح لصوت النواب، ورفض رئيس الوزراء لاستلام العريضة الشعبية في مجلس النواب.  فانضمت شريحة المجتمع الغير راضية عن الحكومة لمواضيع مختلفة لتنصت لما يجري. وربما الأكثر استفزازاً كان في تهديد الحكومة للناس من تحت القبة بآنها سترفع أسعار الكهرباء أو تقطعها في حال لم تشتري الغاز الصهيوني وبالذات حين كانت الحكومة مقدمة على رفع الاسعار بغض النظر عن الموقف الشعبي. فكل التحركات السابقة الذكر جعلت من قضية الغاز قضية “صراع / طوشة” علنية يهتم الناس بمتابعته.

 

وقبل أن أنهي، أعرج على موضوع وتيرة العمل وبالنظر للسياق العربي فهنالك وللأسف  تدفق لأخبار المزعجة والمؤسفة سواء في بلدنا، أو في البلدان المجاورة، والذي يتعاطى معها المواطن يومياً. فاليوم يؤثر بي موضوع وغداً موضوعاً آخر وهكذا. مما يضطر البعض منا  أن يُغيّب نفسه عن الواقع السياسي المحيط لكي يتعايش دون أن يشعر بالعجز. والذي أثر سلباً أحيانا وأحيانا أخرى جمد إهتمام الناس بالقضية. لذا من الملفت هنا كثافة التكتيكات التي استخدمتها الحملة، والتي أتت متلاحقة وفي وقت زمني قصير، مما ساهم بفرض القضية وتشكيل رأيًا عامًا حولها رغم تزاحم القضايا.

       

وفي الختام، عرضت بعض الطرق التي ادت لجعل قضية شراء ما قيمته ١٥ مليار دولار من الغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني قضية رأي عام، وربما كان باستطاعتنا نقل بعضًا من هذه الدروس لحملات اخرى.  ومن المهم بمكان وان لم يكن موضوع هذا المقال، أن يكون لدى النشطاء والقائمين على تحريك الرأي العام برنامج تحرك مُنظم فيه تسلسل فعاليات ضاغطة وتعاونية خدمة لاستراتيجية محددة للوصول للهدف. فلا يكفي استفزاز الرأي العام، فتأجيج الرأي العام بحذ ذاته ليس استراتيجية كافية لإحداث التغيير. وعليه يجب بناء برنامج عمل يستثمر طاقات الناس بطريقة مسؤولة تحمي مصالح البلد والناس وتحافظ على الحريات. فكما بإمكان النشطاء وقياديي الحركات حشد الرأي العام حول أي قضية فبإمكان المعارضة فعل ذات الشيء.

*نسرين الحاج أحمد: حقوقية  تعمل في مؤسسة أهل للتنظيم المجتمعي واحدى اعضاء حركة الأردن تُقاطع 

 

 

2014 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Momizat Team