سواقة المرأة قيادة.. لهذا يخافون

“قاد السيّارةَ”، ساقها، تولَّى توجيهها. هذا أحد معاني “قاد” بالمعجم العربي. قاد مجموعة، أي ترأسها وتدبّر أمورها وتحكّم. ومن وَجهّ، إلى تَحكّم، وترأّس، لا تجد مكانا أو مثالا مؤنثا للفعل قاد. ليس فقط في المعجم وإنّما في قوانين مجتمعية ترفض قيادة المرأة.

مازلتُ هنا وللأسف لا أتحدث عن قيادة المرأة  لشعب أو مجموعة وإنّما أتحدث عن قيادتها لسيارة!

في العام 2013 بكل التطورات التكنولوجية والفكرية التي نعايشها ما زالت المرأة السعودية غير قادرة على الحصول على رخصة سواقة في السعودية وبالتالي محرّم عليها قيادة السيارات حتى ولو امتلكت رخصة سواقة من بلد آخر.

وفيما يعتقد الأغلب أنّ هناك قانونا محددا يمنع سواقة المرأة إلاّ أن انتشار حملات سعودية تطالب بحق المرأة في قيادة السيارة كشفت ووعت الناس أنّ هذا المنع غير وارد اطلاقا لا في القانون  ولا في الدين، وإنما في الفكر والممارسة المجتمعية التي تتكعلى الدين لتحرّم على المرأة أي فرصة لتوجيه أي شيء في الاتجاه الذي تريده بدون ان تلجأ الى القائد “الرجل” في حياتها، سواء كان الأب أم الزوج أم الأخ أم الابن أو حتى سائق سيارتها! فلا مانع لدى المجتمع الذي يحرّم قيادة المرأة بحجج دينية أن يوظّف سائق بدوام كامل للمرأة  في خلوة تامة يأخذها حيث تشاء. في معاير المتسلقين على الدين تربح كفة الخلوة مع رجل عند مقارنتها بكفة قيادة المرأة.  نخاف ان تكون المرأة وحدها، يجب أن نختلق رجلا يكون معها ليقود عنها ويمكّنها من الذهاب حيث تريد. هذا هو جُلّ ما في الموضوع، الخوف من المرأة لا من الخلوة ولا الفتنة ولا من كلمات التفزيع الدينة التي عفى عليها الزمن في ظل مساحات التعلم والتعارف والتشارك المفتوحة التي نعيشها.

يوم 20 أيار 2011 انتشر فيديو على اليوتيوب شاهده أكثر من نصف مليون مشاهد تظهر فيه الناشطة والكاتبة السعودية منال الشريف وهي تقود سيارتها في مدينة الخبر. إعتقلت السلطات منال في اليوم الثاني عندما كانت تقود برفقة اخيها وزوجته وأولاده واستمر اعتقالها لمدة 9 ايام بتهمة تقويض الرأي العام. وخلال هذه الأيام نشرت عدة نساء فيديو لأنفسهن وهن يقدن سياراتهن في السعودية تضامنا مع منال الشريف. خرجت منال بكفالة بشرط ان لاتقود مجددا في السعودية.

“أنا سعودية ومن حقي رخصة سعودية. من حقي ان اسوق”، هي التغريدة التي نشرها آلاف المتضامنين من النساء والرجال على موقع تويتر مطالبين بحق المرأة بقيادة السيارة وناشرين لقصة منال وقصص أخريات للعالم أجمع.

هذه ليست أول مرة تطالب بها المرأة السعودية بحقها في السواقة، كانت هناك عدة مطالبات ولكن الفرق الذي أحدثته منال الشريف هو بتجاوز التنظير والحديث والخروج من إطار المقالات والمطالبات إلى الفعل. فمنال واجهت الخوف والتردد وخرجت إلى الشارع وقادت سيارتها وجعلت من نفسها تجربة أولى لتشجيع وتمكين النساء من المطالبة بحقهن بالفعل لا بالكلام. و بالطبع هناك من وقف مع منال وشجعها على مواجهة عواقب اتخاذها لهذه الخطوة . وكانت الخطوة التالية هي  بتوجيه دعوة للنساء بعنوان“سأقود سيارتي بنفسي” تشجع فيها الحملة النساء السعوديات الحاصلات على رخص سواقة خارجية أن يخرجن للشارع  يوم الجمعة الموافق 17 يناير 2011 ويقدن سياراتهن. اضغط هنا لمشاهدة فيديوا لنساء خرجن يوم الجمعة.

تعريف القائد في التنظيم المجتمعي هو: من يأخذ على عاتقه مسؤولية تمكين الأخرين من تحقيق هدفهم المشترك في مواجهة عدم اليقين والغموض.

وفي منع المرأة من قيادة سيارة،  الغاء تام لهذا المفهوم . فالمفهوم المجتمعي السائد فيه تبعية للقائد  ، وهو بالأغلب رجل، لكن هذا الرجل بعيد كل البعد عن المفهوم الجوهري لكلمة قائد. هو فقط يتسلّط بوضع قوانين و أوامر يأطر بها مساحة الآخر”المرأة” وحريتها  وعقلها وكيانها في الوجود والإبداع والممارسة. وفي خروجها من الإطار التسلطي المرسوم لها، تهديدا لتحكّم الرجل.

 تتكون مبادرة “حقي كرامتي” من 10 رجال و35 إمرأة  موزعين في ثلاثة فرق وهي فريق المستشارين، وهم مجموعة من المتطوعين لتوجيه أعضاء المبادرة وإبداء النصائح والإرشادات في المجالات الإعلامية، القانونية، الاجتماعية، الدينية، وغيرها. وفريق التخطيط والتنفيذ لوضع الخطط التوعوية، وكتابة التقارير، والخطابات للتواصل مع المسؤولين. وفريق الاعلام والتواصل المجتمعي لنشر الوعي عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والتواصل  مع وسائل الإعلام. وقد عملت المبادرة وتواصلت مع العديد من الأمراء والشخصيات النافذة في السعودية وتجاوب العديد مع الحملة معبرين عن موافقتهم بشكل فردي على مطالبات الحملة الاّ ان القرار لا يعود لهم وانما لتقبل المجتمع. وبالاضافة  للحراك بالتوجه لشخصيات في السعودية و تحريك المجتمع على مواقع التواصل الاجتماعي والخروج واقعيا في الشوارع وممارسة السواقة قاموا ايضا بتوجيه عريضة قانونية موقعة من اكثر من عشر الاف شخص يطالبون فيها وزيرة الخارجية الأميريكة هيلاري كلنتون لتتخذ موقف فعلي اتجاه احقاق حق المرأة السعودية بقيادة السيارة.

 مبادرة “حقي كرامتي” تعي تماما أن نضال المرأة السعودية لا يقتصر على انتزاع حقها بقيادة سيارة وإنما هو رحلة من النضالات تبدأ بقيادة سيارة وتمر بقيادة الذات والكيان والأسرة والمجتمع. لهذا بعد التحقيق مع أول نساء خرجن بجرأة لقيادة سيارتهن بشوارع مدينة جدة، وبعد الكم الهائل من المقاومة والتكفير الذي تعرضن له كانت الخطوة جريئة فبدلا من التراجع قمن بتوسيع حملة” من حقي أن أسوق ” الى مبادرة” حقي كرامتي” ليصبح انتزاع الحق في قيادة السيارات هو فقط أول هدف للمبادرة نحو احقاق حق المرأة السعودية.

لا يتوقف مفهوم القيادة الذي ينسج من  تحرّك منال الشريف وعدة نساء أخريات تم اعتقالهن على خروج القائد الى حقل العمل الفعلي وتعرضه للاعتقال والاهانة والتشهير بل أيضا بنشره لمفهوم القيادة عبر ممارسته لها. فمنال اليوم تعلّم ابنها الوحيد مفهوم جديد لمعنى القيادة بتحدياتها وبعدم الاستسلام كلما عاد ابنها إليها من المدرسة مضروبا لأن الأولاد عايروه بأن أمه هي المرأة التي ساقت السيارة. كما تقول في مقالها الذي نشر في جريدة الحياة في بداية هذا العام.

و في الختام، لقائدات الحملة منّا سلام، أنتن تصنعن اليوم مفهوم جوهري لمعاني القيادة التي يحتاجها مجتمعنا العربي.

 

تستطيعون متابعة الحملة على موقعها الالكتروني

على الفيسبووك

 على تويتر  :w2drive@

2014 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Momizat Team